مسائل الامتحان في كتاب المقتضب للمبرِّد: خصائصها وأثرها العلمي

 مسائل الامتحان في كتاب المقتضب للمبرِّد: خصائصها وأثرها العلمي

                                    د. محمد إبراهيم محمد عمر هُمَّد



     تشترك مسائل المبرِّد في ثلاث خصائص رئيسية تتمثل في: التعقيد، والتفريع، والبناء على الخطأ، ويمكن مناقشة ذلك بالتفصيل.

الخاصية الأولى- التعقيد

       تتسم مسائل المبرِّد بالصعوبة والتعقيد، ويرجع ذلك إلى كونها تحتوي على جمل طويلة متعدِّدة التراكيب، والغالب فيها كثرة موصولات (الألف واللام) والمصادر أحيانأً، وتحتاج تلك الموصولات وبعض المصادر إلى صلات، الأمر الذي يجعل من كل منها تشكل مع صلاتها جملاً داخلية داخل الجملة الطويلة. 

التغلُّب على تعقيد المسائل

     بما أنَّ تعقيد تلك المسائل يرجع إلى كثرة الموصولات في المسألة- فيمكن للمُختبَر التغلُّب على ذلك بمعرفة أحكام (الألف واللام) في صلتها، حيث تدخل على الاسم أو على كلام فيه فعل، ولا تدخل على الخبر الجملة في جملة تتكون من مبتدأ وخبر، كما لا تدخل على لفظ الفعل، كما يتحتَّم عليه تحديد حدود الصلة في الجملة المراد تحليلها؛ وذلك لتوفى مقتاضاها، وحتى لا يُدخَل فيها ما ليس منها، وبناء على ذلك يراعي المُختبَر في تحليله للجملة إدخال صفة ما في الصلة في الصلة، وذلك نحو قولك: القائمُ أبوه الحسنُ زيدٌ. ففي هذه الجملة يدخل (الحسنُ) في صلة (الألف واللام)- التي في (القائم)؛ لأنَّه صفة للأب، وبما أنَّ (الأب) في صلة (الألف واللام) فكذلك يكون (الحسن) في صلته أيضاً، كما يدخل العطف على ما في الصلة في الصلة، وذلك نحو قولك: الضاربُ بكراً وخالداً زيدٌ. ففي هذه الجملة يدخل (خالداً) في صلة (الألف واللام) التي في (الضارب)؛ لأنَّه معطوف على(بكر)، وبما أن (بكراً) في صلة (الألف واللام) فكذلك يكون (خالد) في صلته أيضاً، ويدخل في الصلة تأكيد ما في الصلة، وذلك نحو قولك: الضاربون كلُّهُمْ زيداً العمرون. ففي هذه الجملة يدخل (كلُّهُمْ) في صلة (الألف واللام) التي في (الضاربون)؛ لأنَّه تأكيد (الضاربين).(3) كما يدخل في الصلة بدل ما في الصلة، وذلك نحو قولك: الضاربُ أخاكَ زيداً عمرٌو.

ففي هذه الجملة يدخل (زيد) في صلة (الألف واللام) التي في (الضارب)؛ لأنَّه بدل (الأخ)، وبما أنَّ (أخاك) في صلة (الألف واللام) فكذلك يكون (زيد) في صلته أيضاً، أما إذا كان البدل من الموصول نفسه فعلى المُختبَر أن ينتبه إلى أنَّ البدل في هذه الحالة سيكون خارج الصلة فلا يدخله فيها،(4) هذا مع الانتباه إلى عدم جواز تقديم بعض الصلة على الموصول، مع جواز تقدُّم بعض الصلة عن بعضها الآخر، كما يجب على المُختبَر أن ينتبه لوجود نوعين من المصادر، أحدهما يجوز أن يتقدَّم معموله عليه أو يتأخر عنه، وذلك كما في قولك: ضرباً زيداً. ويجوز فيه: زيداً ضرباً. والآخر هو ما كان في تأويله (أن يفعل) أو (أن فعل) وهو الغالب في تلك المسائل، وهذا النوع من المصادر لا يجوز فيه تقديم معموله عليه، وتراعي فيه مع صلته أحكام الموصول مع الصلة،(5) وبعد مراعاة المُختبَر تلك الأحكام في تحليله للجملة- يُقيم كلّ صلة مع موصلها مُقام الاسم الواحد، كما عليه أن يبدأ أولاً بتحديد صلة آخر الموصولات المتعدِّدة في الجملة الواحدة، ثم الذي قبله، حتى يصل إلى أول موصول في الجملة.(6)

الخاصية الثانية- التفريع 

     لا يكتفي المبرِّد المسألة بطول المسألة، وغالباً ما يقوم بتفريع مسائل أخرى منها تتعلَّق بتثنية بعض الكلمات أو جمعها، وما يترتب على ذلك من اختلاف في الضمائر التي ترجع إلى الموصولات، ومن ذلك ما جاء في المسألة الثامنة، التي يقول فيها المبرِّد: "ظننت بناء الدارِ الساكنِها المُعْجِبُه القائمُ عنده الذاهبُ إليه أخواه مُعْجِبا بكرا".(7)وهذه المسألة يمكن حلها بالخطوات الثلاث كما يلي:

1. الأصل الافتراضي: ظننت بناء الدارِ/ الذي سكنها/ الذي أعجبه/ الذي قام/ عنده الذي ذهب/ إليه أخواه مُعْجِبا بكراً.   

2. مطلوبات المكون الافتراضي: يحتوي المكون الافتراضي على الفعل المتعدي لمفعولين (ظنَّ)، 

فهو يطلب مفعولين، وأربعة موصولات هي : (الساكنها)، و(المُعْجِبُه)، و(القائمُ)، و(الذاهبُ)، ويطلب كل موصول منها صلة.

3. العمل: يعمل الفعل (ظنَّ) فيرفع الضمير (التاء) على أنَّه فاعله، و(بناءَ) على أنَّه مفعوله الأول، وهو مضاف و(الدار) مضاف إليه، كما ينصب الفعل (ظنَّ) (معجباً) على أنَّه مفعولاً ثانياً له، وبما أنَّ (معجباً) اسم فاعل فهو ينصب (بكراً) على أنَّه مفعوله، أمَّا (الساكنها) فهو مجرور على أنه صفة للدار، وبما أنَّ (الساكنها) اسم فاعل فهو يرفع (المعجبه) على أنَّه فاعله، كما أنَّ (الساكنها) موصول فهو يطلب صلة، وصلته هي (المُعْجِبُه القائمُ عنده الذاهبُ إليه أخواه)، وبما أنَّ (المعجبه) اسم فاعل فهو يرفع (القائم) على أنَّه فاعله، كما أنَّ (المعجبه) موصول فهو يطلب صلة، وصلته هي (القائمُ عنده الذاهبُ إليه أخواه)، وبما أنَّ (القائم) اسم فاعل فهو يرفع (الذاهب) على أنَّه فاعله، كما أنَّ (القائم) موصول فهو يطلب صلة، وصلته هي (عنده الذاهبُ إليه أخواه)، وبما أنَّ (الذاهب) اسم فاعل فهو يرفع (أخواه) على أنَّه فاعله، كما أنَّ (الذاهب) موصول فهو يطلب صلة، وصلته هي (إليه أخواه).(8)

التفريع على المسألة: يقول المبرِّد عن المسألة السابقة والتفريع منها: "كان جيداً إذا جعلت (معجباً بكراً) هو المفعول الثاني في ظننت، ولم تذكر الباني. فإذا ذكرت الباني جعلته اسماً قبل المفعول الثاني فرفعته؛ لأنَّ قولك (الساكنها) صفة للدار وما بعده داخل في صلته، والصلة والموصول اسم واحد...".(9) بناء على كلامه السابق بذكر (الباني) ينتج أصلان افتراضيان للمسألة؛ لأنَّ الباني سيكون من صلة المصدر فلا يصح ذكره إلا في موضع من موضعين هما: بعد (اخواه) وهو نهاية صلة (الساكنها)، أو بعد (الدار) وقبل (الساكنها)، وبناء على الموضع الأول يكون الأصل الافتراضي الجديد: ظننت بناء الدارِ/ الذي سكنها/ الذي بناها/الذي أعجبه/ الذي قام/ عنده الذي ذهب/ إليه أخواه مُعْجِبا بكراً. ويكون (الباني) فاعل المصدر (بناء). وبناء على الموضع الثاني يكون الأصل الافتراضي الجديد: ظننت بناء الدارِ/ الذي بناها /الذي سكنها /الذي أعجبه/ الذي قام/ عنده الذي ذهب/ إليه أخواه مُعْجِبا بكراً. ويكون (الباني) فاعل المصدر (بناء)، ولكنه قد فرَّق بين الصفة (الساكنها) والموصوف (الدار)، وذلك"يجري مجرى: مرَّ بغلام هندٍ زيدٌ العاقلةِ).".(10)

الخاصية الثالثة- البناء على الخطأ والصواب

     قام المبرِّد بوضع مسألة مبنية على الخطأ، ألا وهي المسألة السابعة، التي يقول فيها المبرِّد: "الضاربَ الشاتمَ المكرِمَ المعطِيَه درهما القائمُ في داره أخوك سوطا أَكْرَمَ الآكِلُ طعامَه غلامُه زيدٌ عمراً خالدٍ بكراً عبدَ الله أخوك.".(11) ويقول المبرِّد في حلها: "نصبت (الضارب) بأَكرم، وجعلت ما بعد الضارب في صلته إلى قولك أكرم فصار اسما واحدا، والفاعل هو الآكل، وما بعده صلة له إلى ذكرك الأسماء المفردة. وهذه الأسماء المنصوبة بدل من الضارب، والشاتم، والمكرم، و(خالد) المجرور بدل من الهاء في غلامه والمرفوع بدل من أحد هؤلاء الفاعلين الذين ذكرتهم. وتقديرها: كأَنَّك قلت: أكرم الآكل طعامَه غلامُه الرجلَ الذي ضربَ/ سوطا رجلا شتم رجلا أكرم رجلا أعطاه درهما رجل قام في داره أخوك.".(12) وهذه المسألة يمكن حلها بالخطوات الثلاث كما يلي:

1. الأصل الافتراضي: أكرم الرجلُ الذي أكل طعامَه غلامُه الرجلَ الذي ضربَ/ سوطاً الرجلَ الذي شتم الرجلَ الذي أكرم الرجلَ الذي أعطاه درهماً الرجل الذي قام في داره أخوك زيدٌ عمراً خالدٍ بكراً عبدَ الله أخوك.     

2. مطلوبات المكون الافتراضي: يحتوي المكون الافتراضي على الفعل المتعدي (أكرمَ)، وستة موصولات هي: (الضاربَ، الشاتمَ، المكرمَ، المعطيَه، القائمُ، الآكل). وصلاتها كما يلي: (الضاربَ) وصلته ( الشاتمَ المكرِمَ المعطِيَه درهما القائمُ في داره أخوك سوطا)، (الشاتمَ) وصلته (المكرِمَ المعطِيَه درهما القائمُ في داره أخوك)، و(المكرِمَ) وصلته (المعطِيَه درهما القائمُ في داره أخوك)، و(المعطيَه) وصلته (درهما القائمُ في داره أخوك)، و(القائمُ) وصلته (في داره أخوك)، و(الآكلُ) وصلته (طعامَه غلامُه زيدٌ). بالإضافة إلى معمولات لبعض مكونات المكون الافتراضي للجملة وهي (زيدٌ، عمراً، خالدٍ، بكراً، عبدَ الله، أخوك).  

3. العمل: الفعل (أكرمَ) يرفع (الآكل) على أنَّه فاعله، و(الضاربَ) على أنَّه مفعوله، وبما أنَّ (الآكل) اسم فاعل فهو يرفع (غلامه) على أنَّه فاعله، و(طعامه) على أنَّه مفعوله، وبما أنَّ (الضاربَ) اسم فاعل فهو ينصب (الشاتمَ) على أنَّه مفعوله وينصب (سوطاً) على أنه بدلاً من المفعول المطلق للضارب، وبما أنَّ (الشاتمَ) اسم فاعل فهو ينصب (المكرمَ) على أنَّه مفعوله، وبما أنَّ (المكرمَ) اسم فاعل فهو ينصب (المعطيَه) على أنَّه مفعوله، وبما أنَّ (المعطيَه اسم فاعل فهو ينصب (درهماً) على أنَّه مفعوله الثاني، ويرفع (القائم) على أنَّه فاعله، وبما أنَّ (القائم) اسم فاعل لفعل لازم فهو يرفع (أخوك) على أنَّه فاعله، ويكون زيدٌ بدلاً من (القائم)، وذلك كما يلي: القائم في داره أخوك زيدٌ. ويكون (عمرو) بدلاً من (المكرم)، ويكون (بكر) بدلاً من (الشاتم)، ويكون (عبد الله) بدلاً من (الضارب)، ويكون (خالد) بدلاً من (الهاء) في (غلامه)، ويكون (أخوك) (الثانية) بدلاً من (الآكل).(13)

وجه الخطأ في المسألة

احتوت هذه المسألة في تحليل تركيبها على ثلاثة أخطاء تركيبيَّة تتمثل في:

1. تأخر (زيد) وهو بدل من (القائم) إلى ما بعد (سوطاً)، علماً بأنَّ (سوطاً) من صلة (الضارب) وليس من صلة (القائم).

2. تأخر (بكر) وهو بدل من (المكرم) إلى ما بعد (سوطاً)، علماً بأنَّ (سوطاً) من صلة (الضارب) وليس من صلة (المكرم).

3. إبدال (خالد) من (الهاء) في (غلامه)، ووجه الخطأ فيه أنَّه فصل بين البدل والمبدل منه بما ليس منه ولا من صلة مما هو في صلته. (14)

تصحيح المسألة

     يرى الفارقي ضرورة تصحيح المسألة ، وذلك بإعادة صياغتها لتكون: " الضاربَ الشاتمَ المكرِمَ المعطِيَه درهما القائمُ في داره أخوك زيدٌ محمداً عمراً بكراً سوطاً عبدَ الله أَكْرَمَ الآكِلُ طعامَه غلامُه خالدٍ أخوك.".(15)

نوع الخطأ في المسألة

      هنالك خلاف في نوع الخطأ في هذه المسألة هل هو خطأ غير مقصود من المبرِّد، فغلط في المسألة دون أن ينتبه، أم أنَّه خطأ مُتعمَّد يُراد به امتحان المتعلِّم، وقد كان أبو إسحاق الزجاج أوَّل من قال بأنَّ المبرِّد قد أخطأ في ذلك، حيث كتب المبرِّد عن تلك المسائل "ونقول في مسائل طوال يمتحن بها المتعلمون (درهماً) على أنَّه مفعوله الثاني، ويرفع (القائم) على أنَّه فاعله، وبما أنَّ (القائم) اسم فاعل لفعل لازم فهو يرفع (أخوك) على أنَّه فاعله، ويكون زيدٌ بدلاً من (القائم)، وذلك كما يلي: القائم في داره أخوك زيدٌ. ويكون (عمرو) بدلاً من (المكرم)، ويكون (بكر) بدلاً من (الشاتم)، ويكون (عبد الله) بدلاً من (الضارب)، ويكون (خالد) بدلاً من (الهاء) في (غلامه)، ويكون (أخوك) (الثانية) بدلاً من (الآكل).(13)

وجه الخطأ في المسألة

احتوت هذه المسألة في تحليل تركيبها على ثلاثة أخطاء تركيبيَّة تتمثل في:

1. تأخر (زيد) وهو بدل من (القائم) إلى ما بعد (سوطاً)، علماً بأنَّ (سوطاً) من صلة (الضارب) وليس من صلة (القائم).

2. تأخر (بكر) وهو بدل من (المكرم) إلى ما بعد (سوطاً)، علماً بأنَّ (سوطاً) من صلة (الضارب) وليس من صلة (المكرم).

3. إبدال (خالد) من (الهاء) في (غلامه)، ووجه الخطأ فيه أنَّه فصل بين البدل والمبدل منه بما ليس منه ولا من صلة مما هو في صلته. (14)

تصحيح المسألة

     يرى الفارقي ضرورة تصحيح المسألة ، وذلك بإعادة صياغتها لتكون: " الضاربَ الشاتمَ المكرِمَ المعطِيَه درهما القائمُ في داره أخوك زيدٌ محمداً عمراً بكراً سوطاً عبدَ الله أَكْرَمَ الآكِلُ طعامَه غلامُه خالدٍ أخوك.".(15)

نوع الخطأ في المسألة

      هنالك خلاف في نوع الخطأ في هذه المسألة هل هو خطأ غير مقصود من المبرِّد، فغلط في المسألة دون أن ينتبه، أم أنَّه خطأ مُتعمَّد يُراد به امتحان المتعلِّم، وقد كان أبو إسحاق الزجاج أوَّل من قال بأنَّ المبرِّد قد أخطأ في ذلك، حيث كتب المبرِّد عن تلك المسائل "ونقول في مسائل طوال يمتحن بها المتعلمون (16) فعلَّق الزجاج على ذلك بقوله: "ويغلط فيها: المعلمون".(17) أما أبو القاسم الفارقي فيرى أنَّ ذلك الخطأ جزء من الامتحان؛ لأنَّ المبرِّد قد ذكر أنَّها مسائل للامتحان، وليس شرطاً أن تكون كلها مبنيَّة على الصحة، ولا شيء يمنع فيها من المزاوجة بينها، وبناء عليه يكون المبرِّد قد بنى هذه المسألة على الخطأ وغيرها على الصواب لغرض الاختبار،(18) ويميل الباحثان إلى رأي الفارقي لما فيه من وجاهة لتفسير نوع ذلك الخطأ، بالإشارة إلى أنَّ هذا الخطأ مما لا يخفى على شخص بقامة المبرِّد في النحو، فضلاً عن أنَّ البناء على الخطأ بغرض الاختبار يشبه طريقة المبرِّد في عرض بعض الإجابات الخاطئة والمصاغة بطريقة مقنعة بغرض إيهام السائل بصحة الإجابة، وبعد أن تكون الإجابة مرضية عند السائل يقوم المبرِّد بنقض تلك الإجابة، ويبيِّن فسادها، وذلك كما حدث بينه وبين أبي إسحاق الزجاج- تلميذ ثعلب حينذاك- عند أول قدوم للمبرِّد إلى بغداد، وقد كان الزجاج متبحراً في نحو الكوفيين ومستغنياً به عن غيره، وهو على ثقة من نفسه على قطع المبرِّد إذا ناظره، فسأله عن كيفية قوله (ما أحسنَ زيداً؟). فردَّ المبرد عليه بأنَّه يقول: (ما أحسنَ زيداً)، فسأله الزجاج عن سبب نصبه (زيداً)، فذكر المبرِّد بأنَّ ذلك يكون بتقدير: (شيءٌ حسَّنَ زيداً)، فـ(ما) مبتدأ، و(أحسنَ) خبر المبتدأ وفيه ضمير الفاعل، و(زيداً) مفعولاً به، والمعنى فيه التعجب. فحاول الزجاج أن يتخطى المسألة وقد ارتضى الإجابة، ولكن المبرِّد استوقفه وسأله عما إذا كان ذلك الجواب مقنعاً بالنسبة له، فلما أجاب بالإيجاب، وضحَّ له المبرِّد بأنَّ ذلك الجواب قد ينتقض لو سئل عن كيفية جواز أن تكون (ما) وهي بلا صلة، وهي لا تكون اسماً تاماً إلا في موضعي الجزاء والاستفهام، فالأول نحو(مل تصنعْ أصنعْ)، والآخر نحو(ما عندك؟)، ففي هذين الموضعين (ما) مبتدأ، وما بعدها خبرها، فكيف تكون اسماً في غير هذين الموضعين؟ لأنه إذا قلت أعجبني أو رأيت ما، لن يكون هذا كلاماً حتى تقول: أعجبني ما صنعت، أو رأيت ما صنعت. فلم يجد الزجاج ما يجيب به عن ذلك، فذكر المبرِّد الجواب على ذلك أنَّ (ما) اسم تام في الاستفهام والجزاء؛ لأنَّها لو وصلت في الاستفهام لأصبحت معلومة، فالسؤال بها (مَنْ أبوك؟)، وإنما يسأل الشخص عما يجهل، فلو وصلت وقيل(منْ في الدار أبوك) لصار الكلام إخباراً بدلاً من كونه استخباراً، وكذلك الأمر في الجزاء؛ لأنها شائعة مبهمة، وتصح على كلِّ ما يجازى به، وذلك نحو (ركبتَ ما ركبْتُ)، فهذا يجعلها شائعة تصح في كلِّ ما يركب.(19) والشاهد في هذه القصة أنَّ تعمد تقديم معلومات خاطئة بغرض الاختبار يمثل أسلوباً مميزاً للمبرِّد، ووسيلة من وسائل إظهار التمكن والبراعة النحويَّة عنده، وبناء عليه يكون إيراد بعض المسائل الاختبارية المبنية على الخطأ أمراً محتملاً عنده. 

الأثر العلمي لمسائل المبرِّد

      وجدت مسائل المبرِّد قبولاً عند بعض الدارسين من بعده، فاتخذوها مثالاً يُحتذَى به في باب (الألف واللام)، حيث ناقش ابن السراج مسائل منها في كتابه (الأصول)، ومن ذلك قوله: "وتقول: جاءني القائمُ إليه الشاربُ ماءه الساكن داره الضارب أخاه زيد. فالقائم إليه اسم واحد هذا كله في صلته والشارب ارتفع بقائم والساكن ارتفع (بشارب) والضارب ارتفع بساكن وزيد (بضارب).".(20) وهذه المسألة منقولة من (المقتضب)،(21)واكتفى ابن السراج بشرحها، كما سئل ابن الشجري عن مسألة على نسق تلك المسائل،(22) وذكر جوابها في المجلس الخامس والستين من كتابه (الأمالي)،(23) وبلغ الاهتمام بها أقصاه عند أبي القاسم الفارقي، الذي صنَّف كتابه (شرح المسائل المشكلة) بغرض شرحها، وقد بلغ تأثره وإعجابه بتلك المسائل حدَّاً جعله يؤلِّف مسألة مفرَّعة تحتمل الوجهين (الخطأ والصواب)؛ وذلك بغرض التحدِّي لمن يتصدَّى لمثل هذا النوع من المسائل، يقول فيها: "الظَّانُ الذاهبَ إلى زيدٍ المكرمَه بكراً المنطلقُ إلى خالد صالح محمداً المعطيه درهماً المحبَّه الشاتمَ المحسنَ إلى عبدِ الله عمراً زيدٌ محمداً الضاربَ القاتلَ السالبَ الواهبَ درهماً جبةً بكراً محشوةً محمداً الشاربَ ماءً الداخلُ داره أباك أخوك سوطاً ضربَ المنطلقَ أبوه الذاهبَ أخوه عمروٌ القائمُ عنده الآكلُ طعامه الضاربُ غلامَه الآخذُ من الشاتمِه الجاعلُ له القاصدُ إليه المرورُ به ثوباً درهماً بكراً زيداً.".(24)هذه المسألة فاقت مسائل المبرِّد تعقيداً وإشكالاً، حيث احتوت على أربع وعشرين موصولاً، مع العلم بأنَّ أكبرعدد للموصولات في مسائل المبرِّد لم يتجاوز الموصولات الستة،(25) ومثل هذه المسائل تعرضت لنقد من المحدثين، وقلَّلوا من جدواها وأهميتها التدريبية في النحو،(26) هذا مع وجود رأي مختلف عن ذلك بخصوصها، فهنالك من لفت النظر إلى أنَّها تمثل تطوراً في الدرس النحوي، حيث تجاوز مرحلة تحليل النماذج اللغوية إلى المسموعة إلى نماذج وافتراضات معقدَّة، وتطبيق القواعد النحوية عليها.(27) 

     يرى الباحثان أنَّ الحكم على هذه المسائل بعدم الجدوى التعليمية على الإطلاق أمر فيه نظر، لأنَّه يقيس هذه الظاهرة- وضع تلك المسائل- بعيداً عن حيزها التاريخي وملابسات وضعها، وحيزها التاريخي هو مرحلة ما بعد كتاب سيبويه، وهي مرحلة ظهر فيها نوعان من الكتب النحوية من حيث طريقة التأليف، النوع الأول منهما موجَّه للمبتدئين، لذلك يميل إلى السهولة والوضوح، والآخر موجَّه للذين يمتلكون باعاً في النحو، ويرغبون في التبحر فيه،(28) ومن النوع الأول كتاب (تلقين المتعلم) لابن قتيبة، الذي صنفه على طريقة السؤال والجواب،(29) وكتاب (الجمل في النحو) لأبي القاسم الزجاجي، والذي قدَّم فيه القواعد النحوية بطريقة سهلة بعيدة عن التعقيد،(30) وقد كان النوع الأول من الكتب- على ما فيه من إفادة مهمة للمتعلم- يتعرض للنقد والتجريح من قِبَل بعض النحاة، ومن ذلك قول أبي علي الفارسي عن أبي القاسم الزجاجي: "لو سمع أبو القاسم الزجاجي كلامنا في النحو لاستحيا أن يتكلم فيه.".(31) وهذا القول يعكس قدراً من النقد الذي يتعرض له هذا النوع الأول من التأليف، الأمر الذي يجعل من وجود تلك المسائل في كتاب المقتضب سبباً من أسباب التميز فيه، وتقيه سهام النقد الموجَّه للكتب النحوية من النوع الأول، كما أن تلك المسائل لم توضع بغرض تدريب اللسان على الإعراب، وإنما وضعت لغرض إظهار التمكن من إحكام تطبيق القواعد النحوية على التراكيب اللغوية مهما كانت درجتها من التعقيد والتداخل، إذاَ تلك المسائل قد وضعت لأمثال أولئك المتعلمين الذين ينشدون درجة التفوق في الصناعة، وكذلك لرد أسهم النقاد المتمرسين في الصناعة النحوية، ممن لا يمكنهم إظهار الرضى عن الكتب النحوية ذات الطابع التعليمي الميسّر في النحو، وبالجملة يرى الباحثان أنَّ لتلك المسائل- على صعوبتها وتعقيدها وتعرضها للنقد- لها جمهورها وطلابها، وهي مسائل تتناسب مع التكوين المعرفي لنوعية دارسي هذا النوع الكتب، وتقيس مهارات نحوية يُفترَض امتلاكهم لها.

الخاتمة  

يتضح مما سبق أن مسائل الامتحان في كتاب (المُقْتَضَب) هي مجموعة من المسائل النحوية التركيبية أنشأها المبرِّد في كتابه لغرض امتحان طلابه في النحو، وتشترك هذه المسائل في ثلاث خصائص هي: التعقيد، والتفريع، والبناء على الخطأ، وتعد الخاصيتان الأولى والثانية هما السائدتان في أغلب المسائل، بينما جاءت الخاصية الثالثة (البناء على الخطأ) في مسألة واحدة، وتخدم تلك الخصائص الأغراض الاختبارية لتلك المسائل، حيث تقيس قدرة المُمْتَحن على تحليل التراكيب اللغوية المعقدة استناداً على ما يمتلكه من مهارة في تطبيق القواعد النحوية على تلك التراكيب الافتراضية، التي لم يسبق له التعامل معها من قبل على تلك الصورة التي جاءت في تلك المسائل. وقد وجدت مسائل المبرِّد قبولاً عند بعض الدارسين من بعده، فاتخذوها مثالاً يُحتذَى به في باب (الألف واللام)، كما فعل ذلك ابن السراج مسائل منها في كتابه (الأصول)، وقد سئل ابن الشجري عن مسألة على نسق تلك المسائل، وبلغ الاهتمام بها أقصاه عند أبي القاسم الفارقي، الذي صنَّف كتابه (شرح المسائل المشكلة) بغرض شرحها، وقد بلغ تأثره وإعجابه بتلك المسائل حدَّاً جعله يؤلِّف مسألة مفرَّعة تحتمل الوجهين (الخطأ والصواب)؛ وذلك بغرض التحدِّي لمن يتصدَّى لمثل هذا النوع من المسائل، و قد تعرضت تلك المسائل لنقد من بعض المحدثين، وقلَّلوا من جدواها وأهميتها التدريبية في النحو، وهنالك أيضاً من لفت النظر إلى أنَّها تمثل تطوراً في الدرس النحوي، حيث تجاوز مرحلة تحليل النماذج اللغوية إلى المسموعة إلى نماذج وافتراضات معقدَّة، وتطبيق القواعد النحوية عليها.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

وظيفة الجملة في اللغة العربية

دور السياق في تحديد المعنى المراد من الجملة العربيَّة

الأدب التفاعليُّ بين مؤيِّديه ومعارضيه