الألغاز النحوية للزَّمَخْشَرِي: أبنيتها وخصائصها وأثرها العلمي(1)


الألغاز النحوية للزَّمَخْشَرِي: أبنيتها وخصائصها وأثرها العلمي(1)

                            بناء المسائل التركيبية

                              د. محمد إبراهيم محمد عمر همَّد



نسبه وحياته

هو أبو القاسم محمود بن عمر الزَّمَخْشَرِي،(1)نسبة إلى بلدة زَمَخْشَر القريبة إحدى قرى خُوارَزم، التي وُلِدَ فيها في يوم الأربعاء السابع والعشرين من رجب سنة 467هـ،(2)ولُقِّب بجار الله؛ لأنَّه جاور بمكة، كما لُقِّب أيضاً بفخر خُوارَزم،(3)كان كثير الارتحال، وقد انتقل إلى خراسان، وأقام بخُوارَزم زمناً، كانت تُضرب فيه أكباد الإبل للقائه وأخذ العلم عنه،(4)كما نزل بغداد أكثر من مرَّة،(5) ثم ارتحل إلى الحجاز حاجاً إلى مكة،(6) وجاور بها، ثم عاد إلى خوارزم وقد أصيب بخراج في رجله مما أدى إلى قطعها، فكان يسبل الثوب عليها، حتى أنَّه كان يبدو كالأعرج لمن لا يعرفه،(7) وعندما سُئلَ عنها ذات مرة أجاب بأنَّ ذلك بسبب دعاء والدته عليه في صباه، وذلك بسبب عصفور كان مربوطاً بخيط في يده، فأفلته، فدخل في خرق، فجذبه، فأدى ذلك إلى قطع رجله، فدعت عليه بقطع رجله، وذلك من شدَّة تألمها للعصفور، وقد أجيب دعاؤها عندما بلغ الزمخشري سن السعي إلى العلم، فسقط عن دابة في بخارى، فانكسرت رجله، وعمل بها عملاً أوجب قطعها فقُطِعَت.(8) 

وقد اعتنق الزمخشري مذهب المعتزلة، وكان مجاهراً به،91) وتوفي الزَّمَخْشَرِي في قرية كُرْكانج وهي التي تٌعرَف بقَصَبَة خُوارَزم، وكان ذلك في ليلة عرفة سنة 538هـ.(10)  

تتلمذ الزَّمَخْشَرِي على أيدي بعض علماء عصره في النحو والأدب وعلوم الحديث، وقد أخذ الأدب عن أبي الحسن علي بن المظفر النيسابوري، وأبي مضر الأصبهاني، (11) وهو الذي رثاه ببيتين هما:(12)

 وَقَائِلَةٍ: مَا هَذِهِ الدُّرَرُ الَّتِي تُسَاقِطُهَا عَيْنَاكَ سِمْطَيْنِ سِمْطَيْنِ؟     فَقُلْتُ: هِي الدُّرَرُ الَّتِي حَشَا بِهَا أبُو مُضَرٍ أُذْنِي تَساقَطَ مِنْ عَيْنِي

وقرأ على أبي منصور بن الجواليقي بعض كتب اللغة،(13) كما قرأ كتاب سيبويه على عبد الله 

بن طلحة بمكة،(14) كما سمع الحديث من أبي منصور نصر الحارثي وأبي سعيد الشفاني.(15)

وبعد جواره في مكة أخذ من الشريف علي بن عيسى الحسني، كما أخذ الشريف عن الزمخشري، وفيه يقول الشريف:(16)

   جُمِيْعُ قرَى الدُّنْيَا سِوَى القَرْيَةِ الَّتِي تَبَوَأَهَا دَارَاً فِدَاءُ زَمَخْشَرَا

 وَأَحْرَ بِأنْ تَزَهَى زَمَخْشَر بِامْرِئٍ إذَا عُدَّ فِي أُسْدِ الشَّرَى زَمَخَ الشَّرَى

وقد بادله الزمخشري المدح، وله في الشريف الحسني قصائد يمدح فيها آل البيت وينوه فيها بفضل الشريف الحسني ويحسن الثناء على علمه وعلى مصنفاته العلمية، ومن مدحه له:(17)  

إخِاءُ الفَضْلِ غَيْرُكَ يَدَّعِيْهِ ولا نَسَبٌ هُنَاكَ ولا رَضَاعُ

مَلَكْتَ رِقَابَهُ مِنْ غَيرِ شِرِكٍ فَلا مَقْسُومَ ثَمَّ ولا مُشَاعُ

كَلَامُ الأقْدَمِيْنَ الجَزْلُ مَا لِيْ بهِ فِي غَيْرِ مَنْطِقِكَ استِمَاعُ

أبرز تلاميذه

تتلمذ على يد الزمخشري جمع من طلاب العلم الذين صار لبعضهم شأن ومكانة بعده ومن أبرزهم:

1. أبو الحسن علي بن محمد الخوارزمي(560هـ): أكبر أصحاب الزمخشري وأقربهم إليه، وله تصانيف في موضوعات متعددة منها: كتاب (التفسير) وكتاب (اشتقاق الأسماء)، وكتاب (المواضع والبلدان).(18)

2. محمد بن أبي القاسم بن بايجوك البقالي الخوارزمي (562هـ): أخذ عن الزمخشري اللغة والإعراب، وصار خليفة له، ومن مصنفاته: (مفتاح التنزيل)، و(تقويم اللسان في النحو)، و(الإعجاب في الإعراب) و(منازل العرب).(19)

 3. أبو المؤيد الموفق بن أحمد بن أبي سعيد(569هـ): خطيب وشاعر من تلاميذ الزمخشري، وكان بارعاً في اللغة، واشتهر بأخطب خوارزم.(20)

  هذا بالإضافة إلى تلاميذه الآخرين الذين لا يسع المجال لذكرهم، وكذلك وجود جمع آخر من طلاب العلم الذين استجازوا الزمخشري فأجازهم.(21)

منزلته العلميَّة

ثم اكتسب سمعة علمية رفعت شأنه بين معاصريه ومن جاء بعده، وهذه طائفة بأقوال العلماء فيه:

1. وقال عنه أبو البركات الأنباري في (نزهة الألباء): ((كان نحوياً فاضلاً... وصنَّف كتباً حسنة.)).(22)

2. قال عنه القفطي في (إنباه الرواة): ((وكان الزمخشري أعلم فضلاء العجم بالعربية في زمانه، وأكثرهم أنساً واطلاعاً على كتبها، وبه ختم فضلاؤهم.)).(23)

3. وقال عنه السيوطي في (بغية الوعاة): ((كان واسعَ العلم، كثيرَ الفضل، غايةً في الذكاء وجودة القريحة، متفنناً في كل علم.)).(24)

وقد عزَّز مكانته العلميَّة بتصنيفه كثيراً من المؤلفات منها: (الكشاف عن حقائق التنزيل)، و(الفائق في غريب الحديث)، و(المفصل في النحو)، (ربيع الأبرار)، (أسماء الأدوية والجبال)،(25)و(المقامات)، (المستقصى في الأمثال)، و(ربيع الأزهار)، و(وأطواق الذهب)، و(صميم العربية)، و(شرح أبيات الكتاب)، و(الأنموذج في النحو)، و(شرح بعض مشكلات المفصل)، و(الكلم النوابغ)، و(الرائض في الفرائض)، و(القسطاس في العروض)، و(الأحاجي النحوية)،(26) و(أساس البلاغة)، و(جواهر اللغة)، و(كتاب الأجناس)،(27) وغيره في اللغة والأدب وعلوم القرآن.

كتابه (المحاجاة بالمسائل النحويَّة)

ألَّف الزمخشري كتابه (المحاجاة بالمسائل النحويَّة) في أواخر حياته العلمية، حيث يأتي ترتيبه بعد كتاب (الكشاف)، والذي فرغ من كتابه في سنة 528هـ،(28) وأهداه إلى الشريف عُلَي بن حمزة، المعروف بابن وهَّاس، كما أهداه من قبل كتابه (الكشاف)،(29)واحتوى الكتاب على خمسين أحجية في النحو والصرف، صاغها الزمخشري في قوالب لغزية مسجوعة، ثم اتبع كل لغز حله، مع بيان ما في بعض المسائل من آراء ومناقشة بين النحاة في ذلك.(30) 

طرق بناء المسائل التركيبية

هذا النوع من الألغاز يتناول بعض الموضوعات التي تتعلق بالتراكيب والجمل، ومن الموضوعات التي تناولها الزمخشري في تلك الألغاز التركيبية: التنوين، والنعت، والفاعل، وإعمال اسم الفاعل، والإضافة، وضمير الفصل، وحروف الجر، والاستثناء والحروف العاملة، والأسماء الستة، والمثنى، واسم الموصول، والظروف، وقدَّم لتلك المسائل أسئلة نحوية كانت أبنيتها كما يلي:

أولاً- بناء المسألة التركيبية المسجوعة ذات الشق: يُبْنَى هذا النوع من المسائل من فقرة نثرية مسجوعة، تتكون من فاصلتين مسجوعتين، ويكون مضمون سؤالها عن جزئية تتعلق بتركيب الجملة، وذلك كما في المسائل التالية: 

1. قال الزمخشري: ((أخبرني عن زائد يمنعُ الإضافة، ويؤكِّدها ويفكُّ تركيبها ويؤيِّدُها.)).(31) وإجابة هذه المسألة هي: اللام في نحو قولك: لا أبالك.(32)

تأصيل المسألة

ذكر سيبويه هذه اللام التي تمنع الإضافة، ونقل رأياً للخليل فيها، لأنَّ القائل لو لم يضفها لقال (أباك) في هذا الموضع.(33) 

2. قال الزمخشري: ((اسم متى أُضيفتْ أخواته وافقها، ومتى أُفرِدتْ فارقَها)).(34) وإجابة هذه المسألة هي: الاسم (ذو)، يُحسَب مع الأسماء الستة عند إضافتها فهو يعرب معها بالحروف، ويختلف عنها في الأفراد فهو يأخذ صفته من الشيء الذي يضاف إليه، نحو رجل ذو مال معنى (متموَّل)، وامرأة ذات سوار معنى (متسوِّرة)، ولا يكون هذا في بقية الأسماء الستة.(35)

تأصيل المسألة

ذكر سيبويه أصل هذه المسألة في باب (هذا باب ما يتغيَّر في الإضافة إلى الاسم إذا جعلته اسم رجل أو امرأة، وما لا يتغيَّر إذا كان اسم رجل أو امرأة)، وفحوى كلامه في ذلك: أنَّ أب وأخ لا يتغيران في حالي الإضافة أو عدمها، أما ذو إذا أفرد وسمِّي به فيطاله التغيير فتقول (ذواك) لا (ذوك).(36)  

3. قال الزمخشري: ((سبب متى آذن: بالذهاب تبعَه أثر سائر الأسباب.)).(37) وإجابة هذه المسألة هي: التعريف في نحو: أذربيجان، وخوارزم، متى ذهب التعريف ذهب أثر التأنيث والعجمة والتركيب، لأن التأنيث والعجمة في النكرات لا عبرة لهما، ولا يؤثر التركيب لوحده وإن كان مؤثراً مع وجود غيره، إذاً مثل هذه الأسماء يذهب عنها التأنيث والعجمة بذهاب التعريف، كلَّمتُه حتى يأمرَ لي بشيءٍ. وتقديره: كي يأمرَ لي بشيء، وخلاصة هذين الوجهين أنَّ (حتى) ويبقى التركيب لوحده غير مانع للصرف فتصرف.(38)

تأصيل المسألة

ذكر سيبويه في كتابه أنَّ كل اسم أعجمي معرب، ودخله التعريف صار نكرة، ثم سمي به ، ينصرف متى ما استخدم نكرة، وذلك كما في الياسمين لمن قال (ياسمينٌ).(39) 

4. قال الزمخشري: ((حَرْف تلعبُ الحركاتُ بما بَعْدَه ولا يعملُ منها إلا الجر وحده.)).(40) وإجابة هذه المسألة هي: الحرف المراد هو حرف الجرِّ (حتى)، يأتي بعده الفعل مرفوعاً، ومنصوباً، والاسم مجروراً، نحو قولك: أكلتُ السمكةَ حتى رأسها بالحركات الثلاث، و يأتي الفعل بعده منصوباً بأن مضمرة، وعمله الجرُّ فقط.(41)

تأصيل المسألة

ذكر سيبويه أنَّ حتى تعمل (الجرّ)، ثم ذكر وجهين لنصب الفعل بعدها، الأول هو قول الخليل، وفحواه: ينصب الفعل بأن مضمرة بعدها، وذلك إذا كانت تفيد الغاية، كما في جملة: سرتُ حتى أدخلَها، وتقدير الكلام عنده: سرت حتى أن أدخلَها، والآخر، هو أن يكون المسير قد كان والدخول لم يكن، فهنا يُنصب ما بعدها بأن مضمرة، وهي في معنى (كي)، وذلك نحو قولك: عملها الجر، وأنَّ نصب الفعل بعدها يكون بـ(أنْ) مضمرة، هذا مع اختلاف التقدير في الوجهين. كما يرفع الفعل بعدها -في قولك: سرتُ حتى أدخلُها- على وجهين أحدهما: أن يكون الدخول متصل بالسير، وهو منشغل بفعل الدخول وغير منقطع عنه، ويكون تقدير الكلام: أسير فأدخلُها، والآخر: أن يكون المسير قد كان أو ما يشبهه، والدخول أو ما يشبهه الآن، وهنا تقدير الكلام: لقد سرتُ حتى أدخلُها ما أُمنَعُ. وهي في هذين الموضعين في رفع الاسم بعدها على الابتداء،(42) كما في قول الشاعر:(43) 

فَيَا عَجَبَاً حَتَّى كُلَيْبٌ تَسُبُّنِي كَأنَّ أبَاها نَهْشَلٌ أو مُجَاشِعُ

 والشاهد في البيت أعلاه رفع الاسم بعد (حتى) على الابتداء، وهذا هو الرفع الذي شبَّه به سيبويه رفع الفعل بعد (حتى). 

6. قال الزمخشري: ((شيء وراءَ خمسة أشياء يُجْزَمُ جوابه في باب الجزاء.)).(44) وإجابة هذه المسألة هي: الاسم والفعل الذي يكون في منزلة الأمر والنهي، نحو حسبك، وكفيك، وشرعك.(45)

تأصيل المسألة

ذكر سيبويه في كتابه، هذه الأسماء والأفعال المذكورة في المسألة أعلاه، وأطلق عليها اسم (الحروف التي تنزل بمنزلة الأمر والنهي لأنَّ فيها معنى الأمر والنهي)، وذكر لذلك مثالاً: حَسْبُكَ يَنَمِ النَّاسَ.(46) هنا جزم الفعل (يَنَمْ) في جواب الطلب حملاً لـ(حسْبُكَ) على الأمر.

7. قال الزمخشريُّ: ((أخبرني عن نعت مجرور ومنعوته مرفوع، وعن منعوت مُوحد ونعته مجموع، جر النعت مع رفع المنعوت.)).(47) وإجابة هذه المسألة هي: ما جاء في قول العرب: ((هذا جحرُ ضبٍ خربٍ.)).(48)

تأصيل المسألة

ذكر سيبويه هذه المسالة في كتابه في معرض حديثه عن النعت، ومن العرب من يجرُّ النعت والمنعوت مرفوع، وذلك كما في قولهم: هذا جحرُ ضبٍ خربٍ. حيث جُرَّ النعت (خرب) على الرغم من أنَّ منعوته (الجحر) مرفوع، ويعلل سيبويه ذلك قوله: ((فجرُّوه لأنَّه نكرة كالضب، ولأنه في موضع يقع فيه نعت الضب، ولأنه صار و الضب بمنزلة اسم واحد.)).(49)

8. قال الزمخشري: ((أخبرني عن يُزادُ ثمَّ يُزالُ، وأثرُهُ باقٍ ماله انتقال.)).(50) وإجابة هذه المسألة هي:   

نون التثنية والجمع، وذلك نحو: هما الضاربا زيداً، وهم الضاربو زيداً.(51)

تأصيل المسألة

ذكر سيبويه أن اسم الفاعل المثنى أو المجموع جمعاً صحيحاً يعمل النصب في معموله، ويجرّ معموله إذا حذفت منه نون التثنية أو الجمع، يقول سيبويه عن ذلك: ((فإن كففت النون جررت وصار الاسم داخل في الجار، وبدلاً من النون، لأن النون لا تعاقب الألف واللام.)).(52) في هذا النص يرى سيبويه أن اسم الفاعل المثنى أو المجموع يعمل الجر إذا حذفت منه النون، وهي تشبه التنوين الذي لا يجتمع مع الألف والنون، وكذلك النون من المثنى والجمع في هذا الموضع، ثم يذكر بعد ذلك أنها قد تُحذف اختصاراً لطول الكلام، وحينها يأتي المعمول منصوباً وكأنَّ النون مذكورة وذلك كما في قول الشاعر:(53) 

الحَافِظُو عَوْرَةَ العَشِيْرَةَ لا يَأْتِيْهُم مِنْ وَرَائِنَا نَطَفُ

الشاهد في البيت أعلاه، أن اسم الفاعل المجموع المعرف المحلى بـ(أل) قد نصب معموله (عورَة)، والقياس يقتضي الجرِّ على أنَّه مضاف إليه، ويرى سيبويه أنه: ((لم يحذف النون للإضافة، ولا ليعاقب الاسم النون، ولكن حذفوها كما حذفوها من اللَّذين والَّذين حيث طال الكلام وكان الاسم الأول منتهاه الاسمُ الآخِرُ.)).(54)  

ثم يستشهد على ذلك بقول الأخطل: (55)               

أَبَنِيْ كُلَيْبٍ إنَّ عَمَّيَّ الَّلذا سَلَبَا المُلُوْكَ وَفَكَّكَا الأَغْلَالَا

الشاهد في البيت حذف النون من (الَّلذين) اختصاراً، وقد استشهد به سيبويه على حذف نون اسم الفاعل المثنى أو المجموع اختصاراً ، مع بقاء عمله (النصب).

ثانياً- بناء المسألة التركيبية المسجوعة ذات الشقين

يُبْنَى هذا النوع من المسائل من فقرة نثرية مسجوعة، تتكون من فاصلتين مسجوعتين، ويكون سؤالها عن جزئيتين تتعلقان بتركيب الجملة، وذلك كما في المسائل التالية:

1. قال الزمخشري: ((أخبرني عن فصل بين المعرفتين فاصلا، وعن ربَّ على المعرفتين داخلا.)).(56) وإجابة هذه المسألة هي: الفصل بين المعرفتين هو ضمير الفصل كما في هذا قولك : كان زيد هو خيراً منك.أما رب الداخل على معرفتين فهو كما في قولك: ربَّ رجل وأخيه.(57)

تأصيل المسألة

ذكر سيبويه في كتابه أن ضمير الفصل لا يصح دخوله إلا بين معرفتين أو ما يشبه المعرفة، ويكون ذلك كله في الجمل التي يكون بها النواسخ، يقول سيبويه: ((واعلم أنَّ هُو لا يَحسن أن تكون فصلاً حتى يكون ما بعدها معرفة أو ما أشبه المعرفة، مما طال ولم تدخله الألف واللام فضارع زيداً وعمراً 

نحو خيراً منك ومثلك.)).(58)ظاهر هذا النص اشتراط أنَّ يلي ضمير الفصل معرفة أو ما في حكمه. أما الشق الآخر من المسألة بخصوص دخول (رُبَّ) على المعرفة- فذكر سيبويه لك في معرض حديثه عن استشهاده ببيتين للأعشى يقول فيهما:(59)                               

 وَكَمْ دُوْنَ بَيْتِكَ مِنْ صَفْصَفٍ وَدَكْدَاكِ رَمْلٍ وَأعْقَادِهَا

 ووَضْعِ سِقَاءٍ وإحْقَابِهِ وَحَلِّ حُلُوْسٍ وإغْمَادِها

 فيقول سيبويه: ((هذا حجّة لقوله: رُبَّ رجلٍ وأخيه. فهذا الاسم لم يكن ليكون إلا نكرةً وحده، ولا يوصف به نكرة، ولم يحتمل عندهم أن يكون نكرة، ولا يقع في موضع لا يكون فيه إلا نكرة، حتى يكون أول ما يشغل به العاملَ نكرةً، ثم يعطف عليه ما أضيف إلى النكرة، ويُصيَّر بمنزلة مِثْلك ونحوه.)).(60) ويفهم من هذا النص أنها تدخل على نكرة ثم يعطف على معمولها ما أضيف إلى النكرة، حتى يصير هذا الاسم أشبه بـ(مثلك) في هذا الموضع. 

2. قال الزمخشري: ((أخبرني عما يُنصَبُ ويُجرُّ وهو رفعٌ، وعما تدخله التثنيةُ وهو جمعٌ.)).(61) وإجابة هذه المسألة هي: ما ينصب ويجر الاسم في الحكاية وذلك كما في هذين المثالين: رأيتُ زيداً. مَنْ زيداً؟ ومررت بزيدٍ. مَنْ زيدٍ؟ أما ما تدخله التثنية وهو جمع فهو: عندي لقاحان سوداوان(62)

تأصيل المسألة

ذكر سيبويه أنَّ الاسم المعرب المرفوع ينصب ويجر في الكلام ممَّا جاء على سبيل الحكاية،وذلك نحو: رأيتُ زيداً. مَنْ زيداً؟ ومررت بزيدٍ. مَنْ زيدٍ؟  

هذا على الرغم من أنَّ القياس يقتضي رفعه في الموضعين السابقين، يقول سيبويه عن ذلك: 

((وأما بنو تميم فيرفعون على كل حال. وهو أقيس القولين. فأما أهل الحجاز فإنهم حملوا قولهم على أنهم حكوا ما تكلم به المسئول.)).(63)ويدل هذا النص على جرّ الاسم ونصبه على الحكاية مع أنَّ القياس يقتضي أن يكون مرفوعاً على أنَّه خبر. أما الشق الآخر من المسألة بخصوص تثنية اسم الجمع نحو (التمر) و(البسر) فذكره سيبويه في كتابه، وذكر أنَّه قد يُثنَّى إذا أريد بذلك صنفين مختلفين منه، وجعلوا (اللقاح) مثل ذلك في التثنية، يقول سيبويه عن ذلك: (( وقالوا لِقاحَانِ سَوْدَاوانِ جعلوهما بمنزلة ذا.)).(64) أي ثنوا (اللقاح) على أنَّه نظير للتمر والبسر.

4. قال الزمخشري: ((اسم صحيح أمكنَ وهو فاعل وما هو مرفوع، وعن آخر داخل عليه حرف الجرِّ وهو عن الجرِّ ممنوع.)).(65) وإجابة هذا السؤال هي: الاسمان هما: غير، وحين،(66) وذلك كما في قول الشاعر:(67) 

لَمْ يَمْنَعِ الشُّرْبَ مِنْهَا غيْرَ أنْ نَطَقَتْ حَمَامَةٌ فِي غُصُوْنٍ ذَاتِ أوْقَالِ

وقول الشاعر:(68) 

عَلَى حِيْنَ عَاتَبْتُ المَشِيْبَ عَلَى الصِّبَا وَقُلْتُ: ألَمَّا أصَحُ والشَّيْبُ وَازِعُ

والشاهد في البيت الآخر: مجيء كلمة (حينَ) بعد حرف الجرِّ على، وهي غير مجرورة. 

تأصيل المسألة

ذكر سيبويه ذلك في معرض استشهاده بالبيتين الأول على روايته بنصب (غير)، والآخر على نصب(حين) في البيت الآخر، وعلل ذلك أنهم ينصبونها كما يومَ من يومَئذٍ في كل موضع،(69) أي أنهم يأتون بهما مبنيتين على الفتح، هذا مع أنَّ الأولى حقها الرفع، والأخرى حقها الجر. 

5. قال الزمخشري: ((مجموع في معنى المثنى، وعن واحدٍ من واحدٍ مستثنى.)).(70)

وإجابة هذا السؤال هي: مجموع في معنى المثنى وذلك كما في قوله تعالى: {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَ}(71) وقوله تعالى:{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا}(72) أما الواحد المستثنى من واحد فهو ما جاء في لغة تميم من قولهم: ما أتاني زيدٌ إلَّا عمرو. وذلك باستخدامهم إلا بمعنى لكن.(73) 

تأصيل المسألة

ذكر سيبويه المجموع في معنى المثنى في باب (هذا ما لُفظ به مما هو مثنَّى كما لُفظ بالمجموع)، ويكون ذلك في الأشياء التي تكون بعض شيء من مفرد، واستشهد على ذلك بالآيتين الكريمتين المذكورتين في إجابة المسألة.(74)أما الشق الثاني من المسألة خصوص الواحد المستثنى من واحد- فقد ذكر سيبويه أنَّ (إلا) قد تأتي بمعنى (ولكن) حيث يقول: ((ومن ذلك من المصادر: ما له عليه سُلطانٌ إلا التكلّف، لأن التكلف ليس من السلطان. وكذلك إلا أنه يتكلّف، وهو منزلة التكلّف. وإنما يجيء هذا على معنى ولكن))(75)

يتضح مماسبق أن أحاجي الزمخشريِّ من الاختبارات التي تتناول بعض الموضوعات النحوية التي تتعلق بالتراكيب والجمل وكذلك ببناء الكلمة، ومن الموضوعات التركيبية: التنوين، والنعت، والفاعل، وإعمال اسم الفاعل، والإضافة، وضمير الفصل، وحروف الجر، والاستثناء، والحروف العاملة، والأسماء الستة، والمثنى، واسم الموصول، والظروف، فمنها المسائل التركيبية ذات الشق، ومنها المسائل التركيبية ذات الشقين. وسيكون الحديث عن طرق بناء المسائل الصرفية في المقال القادم إن شاء الله.

______________________________

(1) أبو البركات الأنباري. نزهة الألباء في طبقات الأدباء. ص: 338.

(2) القفطي. إنباه الرواة.ج: 3، ص: (265- 266).

(3) السيوطي. بغية الوعاة. ج: 2، ص: 279.

(4) القفطي. إنباه الرواة.ج: 3، ص: 266.

(5) السيوطي. بغية الوعاة. ج: 2، ص: 280.

(6) القفطي. إنباه الرواة.ج: 3، ص: 266.

(7) السيوطي. بغية الوعاة. ج: 2، ص: 280.

(8) القفطي. إنباه الرواة.ج: 3، ص: 268.

(9) السيوطي. بغية الوعاة. ج: 2، ص: 279.

(10) القفطي. إنباه الرواة.ج: 3، ص: 268.

(11) السيوطي. بغية الوعاة. ج: 2، ص: 279.

(12) الزمخشري، محمود بن عمر.(2008م). ديوانه. شرح: الخيمي، فاطمة يوسف. بيروت: دار صادر. ص: 558. 

(13) القفطي. إنباه الرواة.ج: 3، ص: 270.

(14) السيوطي. بغية الوعاة. ج: 1، ص: 46. 

(15) الحموي. معجم الأدباء. ج: 6، ص: 2688.

(16) القفطي. إنباه الرواة.ج: 3، ص: 268.

(17) الزمخشري. ديوانه. ص: 345. 

(18) السيوطي. بغية الوعاة. ج: 2، ص: 195.

(19) ياقوت الحموي. معجم الأدباء. ج: 6، ص: 2618. 

(20) السيوطي. بغية الوعاة. ج: 2، ص: 308.

(21) ابن خلكان. وفيات الأعيان.ج: 2، ص: 344. ومن الذين أجازهم الزمخشري زينب بنت الشعرَى(516هـ)، التي أجازت ابن خلكان.

(22) أبو البركات الأنباري. نزهة الألباء في طبقات الأدباء. ص: 338.

(23) القفطي. إنباه الرواة.ج: 3، ص: 270.

(24) السيوطي. بغية الوعاة. ج: 2، ص: 279.

(25) أبو البركات الأنباري. نزهة الألباء في طبقات الأدباء. ص: 338.

(26) السيوطي. بغية الوعاة. ج: 2، ص: 280.

(27) ياقوت الحموي. معجم الأدباء. ج: 6، ص: 2691. 

(28) الزمخشري. المحاجاة بالمسائل النحويَّة. مقدمة المحقق ص: 48.

(29) المصدر االسابق. مقدمة المحقق ص:50. المصدر نفسه. مقدمة المحقق ص: (5- 6).

(31) الزمخشري. المحاجاة بالمسائل النحوية. ص: 111.

(32) المصدر السابق. ص: 112.

(33) سيبويه. الكتاب. ج: 2، ص: (205- 206).

(34) الزمخشري. المحاجاة بالمسائل النحوية. ص: 134.

(35) الزمخشري. المحاجاة بالمسائل النحوية. ص: 134.

(36) سيبويه. الكتاب. ج: 3، 412.

(37) الزمخشري. المحاجاة بالمسائل النحوية. ص: (135- 136).

(38) المصدر االسابق. ص: 135.

(39) سيبويه. الكتاب. ج: 3، 234.

(40) الزمخشري. المحاجاة بالمسائل النحوية. ص: 138.

(41) المصدر السابق. ص: 138.

(42) سيبويه. الكتاب. ج: 3، (17- 18).

(43) الفرزدق. ديوانه. ص: 361.

(44) الزمخشري. المحاجاة بالمسائل النحوية. ص: 143.

(45) المصدر السابق. ص: 143.

(46) سيبويه. الكتاب. ج: 3، ص: 100.

(47) الزمخشري. المحاجاة بالمسائل النحوية. ص: 89.

(48) المصدر االسابق. ص: 89.

(49) سيبويه. الكتاب. ج: 1، ص: 436.

(50) الزمخشري. المحاجاة بالمسائل النحوية. ص: 104.

(51) المصدر االسابق. ص: 104.

(52) سيبويه. الكتاب. ج: 1، ص: 184.

(53) البيت لرجل من الأنصار، وهو من شواهد سيبويه، انظر: المرجع السابق. ج: 1، ص: 186. ونسب إلى قيس بن الخطيم، كما نسب إلى عمرو بن امرئ القيس الخرجي في (اللسان). انظر: ابن منظور. لسان العرب. مادة (وكف)، ج: 8، ص: 363.وفيه برواية (من وَرَائِهم وَكفُ).

(54) سيبويه. الكتاب. ج: 1، ص: 184.

(55) الأخطل، غياث بن غوث.(1994م) ديوانه. ط: 2. شرح وتصنيف: ناصر الدين، مهدي محمد. بيروت: دار الكتب العلمية. ص: 246.

(56) الزمخشري. المحاجاة بالمسائل النحوية. ص: 93.

(57) المصدر االسابق. ص: 93.

(58) سيبويه. الكتاب. ج: 2، ص:392.

(59) الأعشى. ديوانه. ص: 73. وفيه برواية بيت بين البيتين المذكورين، والبيت هو: (ويَهَمَاءَ بالليْلِ غَطشَى الفلا). والصفصف: المستوي من الأرض ولا نبات فيه. والدكداك: المتلبد من الأرض. والأعقاد: المتراكم من الرمل. والإحقاب: كل ما ربطه الرجل خلفه. والحلس: ما يوضع على ظهر البعير تحت الرحل أو السرج. وإغمادها: جعلها تحت الرحل.

(60) سيبويه. الكتاب. ج: 2، ص: 56.

(61) الزمخشري. المحاجاة بالمسائل النحوية. ص: 96.

(62) المصدر السابق. ص: 96.

(63) سيبويه. الكتاب. ج: 2، ص: 413.

(64) المصدر السابق. ج: 3، 623.

(65) الزمخشري. المحاجاة بالمسائل النحوية. ص: 140.

(66) المصدر السابق. ص: 141.

(67) ابن منظور. لسان العرب. مادة (وقل)،ج: 11، ص: 734. وفيه برواية (سحوق ذات أوقال). الضمير في منها راجع إلى ناقته، يقصد أنه لم يمنعها الشرب إلا صوت الحمامة، وقد فزعت منه.وأوقال: جمع وَقَل، وهو المقل اليابس. 

(68) الذبياني، النابغة.(1963م). ديوانه. تحقيق: الستاني، كرم. بيروت: دار صادر- دار بيروت. ص: 79. صحا: أفاق. الوزاع: الكافُّ الزاجر عن اللهو.

(69) سيبويه. الكتاب. ج: 2، ص: (329- 330).

(70) الزمخشري. المحاجاة بالمسائل النحوية. ص: 178.

(71) سورة التحريم: الآية: 4.

(72) سورة المائدة الآية: 38.

(73) الزمخشري. المحاجاة بالمسائل النحوية. ص: (178- 179).

(74) سيبويه. الكتاب. ج: 2، ص: 322.

(75) المصدر السابق. ج: 3، ص: (621- 622).







تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

وظيفة الجملة في اللغة العربية

دور السياق في تحديد المعنى المراد من الجملة العربيَّة

الأدب التفاعليُّ بين مؤيِّديه ومعارضيه